حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
59
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
بالاستغفار . وَفِي الْآخِرَةِ بالشفاعة . وقيل : كنا نحفظكم في الدنيا ولا نفارقكم في الآخرة حتى تدخلوا الجنة وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ يعني الحظوظ الجسمانية وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ أي تمنون من المواهب الروحانية ، وقد مر في « يس » سائر الوجوه . والنزل ما يهيأ للضيف وقد مر . وفي ذكر الغفور الرحيم هاهنا مناسبة لا تخفى . قال أهل النظم إن القوم لما أتوا بأنواع السفاهة والإيذاء كقولهم قُلُوبُنا غُلْفٌ [ البقرة : 88 ] لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ حرض سبحانه نبيه صلى اللّه عليه وسلم على مواظبة التبليغ والدعوة واحتمال أعباء الرسالة والتزام السيرة الفاضلة إظهارا لمزيته على الجهال وتحصيلا للغرض بالرفق واللطف ما أمكن فقال وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا ووجه آخر في النظم وهو أنه لما مدح الذين قالوا ربنا اللّه ثم استقاموا وذكر جزاءهم وهم أهل الكمال ، أراد أن يبين حال المشتغلين بتكميل الناقصين . زعم بعض المفسرين أن المراد بهذا الدعاء الأذان ، والعمل الصالح الصلاة بين الأذان والإقامة ، ورفعوه إلى عائشة . والأصح أنه عام لجميع الأئمة والدعاة إلى طاعة اللّه وتوحيده ، ولا ريب أن مصطفاهم ومقتداهم هو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وآله وبعده العلماء باللّه وهم الحكماء المتألهون ، وبعدهم العلماء بصفات اللّه وهم الأصوليون ، ثم العلماء بأحكام اللّه وهم الفقهاء ، ثم الملوك العادلون الذين يدعون إلى اللّه بالسيف والسبب . وفي الاستفهام الإنكاري دلالة على أنه لا قول أحسن من الدعاء إلى اللّه فمن زعم أنه الأذان ذهب إلى أنه واجب وإلا لكان الواجب أحسن منه . ونوقض بأنا نعلم بالدلائل اليقينية أن الدعوة إلى الدين القويم بالحجة أو السيف أحسن من الأذان فلا يدخل الأذان تحت الآية . قال جار اللّه : ليس معنى قوله وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أنه تكلم بهذا الكلام ، ولكن المراد أنه جعل دين الإسلام مذهبه ومعتقده كما تقول : هذا قول أبي حنيفة . وقال آخرون : أراد به التلفظ به تفاخرا بالإسلام وتمدحا . وزعموا أن فيه إبطال قول من جوز : أنا مسلم إن شاء اللّه . فإنه لو كان ذلك معتبرا لورد في الآية كذلك ولا يخفى ضعفه ، فإن التجويز غير الإيجاب . ثم صبر رسوله صلى اللّه عليه وسلم على سفاهة الكفار وعلمه الأدب الجميل في باب الدعاء أي الدين بل في مطلق أمور التمدن فقال وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ « لا » زائدة لتأكيد نفي الاستواء ، والمعنى لا تستوي الحسنة والسيئة قط ومثالهما الإيمان والشرك والحلم والغضب والطاعة والمعصية واللطف والعنف ثم إن سائلا كأنه سأل : فكيف نصنع ؟ فأجيب ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فإن الحسنة أحسن من السيئة كما يقال : الصيف أحر من الشتاء وذهب صاحب الكشاف إلى أن « لا » غير مزيدة والمعنى أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ بالحسنة التي هي أحسن إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة . مثاله : رجل أساء إليك فالحسنة أن تعفو عنه والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته . قال :